ماذا قالت ابنة المقوقس على عمرو ابن العاص والمسلمين حينما فتحوا مصر
حِينَمَا فَتَحَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِصْرَ وَجَيْشُهُ عَامَ ٢٠ هِجْرِيًّا ٦٤١ مِيلَادِيًّا وَحَاصَرَ مَدِينَةَ بَلْبِيسَ وَكَانَتْ تُوجَدُ بِهَا ابْنَةُ الْمُقَوْقَسِ أَرْمَانُوسَةْ وَكَانَتْ مُتَّجِهَةً الَى زَوْجِهَا قُسْطَنْطِينَ ابْنِ هِرَقْلَ وَمَعَهَا حُلِيُّهَا وَمَالُهَا وَكَانَ يَنْتَظِرُهَا فِي مَدِينَةٍ قَيْسَارِيَّةٍ بِفِلَسْطِينَ.
بَعْدَ حِصَارٍ شَدِيدٍ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْمُسْلِمِينَ وَقِتَالٍ عَنِيفٍ قُتِلَ مِنَ الرُّومِ مَا يَقْرُبُ مِنْ أَلْفِ فَارِسٍ وَهَرَبَ الْبَقِيَّةَ إِلَى الْمُقَوْقَسِ .
فَأَرَادَ عَمْرٌو مُلَاطَفَةَ الْمُقَوْقِسِ فَسَيَّرَ لَهُ ابْنَتَهُ مُعَزِّزَهُ مَكْرُمَةً وَجَمِيعَ مَالِهَا فُسِّرَ بِقُدُومِهَا .
وَكَانَتْ لِأَرْمَانُوسَةْ وَصِيفَةٌ تُسَمَّى مَارِيَةَ وَكَانَتْ مَسِيحِيَّةً ذَاتَ جَمَالٍ وَعَقْلٍ ، اتَّخَذَهَا الْمُقَوْقَسُ كَكَنِيسَةٍ مُتَنَقِّلَةٍ لِابْنَتِهِ ، وَالْمُقَوْقَسُ كَانَ وَالِيًا وَبَطْرِيرْكَا عَلَى مِصْرَ فِي عَهْدِ الرُّومَانِ .
مَا احْوَالُ الْمِصْرِيِّينَ حِينَ الْقِتَالِ
أَمَّا عَنْ الْمِصْرِيِّينَ فَكَانُوا يُقَاتِلُونَ قِتَالًا خَفِيفًا وَانْضَمُّوا فِي النِّهَايَةِ إِلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ ،أَمَّا الرُّومَانُ فَكَانُوا يُقَاتِلُونَ الْمِصْرِيِّينَ قِتَالًا عَنِيفًا .
كَيْفَ شَوَّهَ الِاعْلَامُ الرُّومِيُّ عَمْرُو ابْنُ الْعَاصِ وَجَيْشُهُ وَالِاسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ ؟
نَعْرِفُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الْفَتَاتِينِ فَقَدْ ذَكَرَ الرُّومَانُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْعَرَبَ قَوْمٌ جِيَاعٌ دَفَعَهُمُ الْجُوعُ لِمُحَارَبَةِ الْأُمَمِ وَذَرِّ الرِّمَالِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ وَأَنَّهُمْ كَالْجَرَادِ لَا يَغْزُوا إِلَّا لِبَطْنِهِ ، وَأَنَّ نِسَاءَهُمْ كَالدَّوَابِّ وَأَنْ لَا عَهْدَ لَهُمْ .
وَقَالُوا أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَانَ يَعْمَلُ جَزَّارًا وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ وَأَنَّهُ سَوْفَ يَجْزِرُهُمْ وَيَسْلُخُهُمْ ، وَأَنَّهُ جَاءَ وَمَعَهُ ٤٠٠٠ آلَافٌ سَالِخٍ لَا مُقَاتِلٌ .
لِدَرَجَةِ أنَ مَارْيَا حِينَمَا حُوصِرَتْ مَعَ أَرْمَانُوسَةْ فِي بِلْبِيسَ تَمَنَّتِ الْمَوْتَ وَقَالَتْ تَزَوَّجِي الْمَوْتَ خَيْرًا لَكَ مِنْ أَنْ تَتَزَوَّجِي الْعَرَبِيُّ.
بَعْدَ انْتِهَاءِهَا مِنْ شَعْرِهَا ضَحِكَتْ أَرْمَانُوسَةٌ وَقَالَتْ لَهَا " أَنْتِ وَاهْمُهُ يَا مَارْيَا " أَنْسِيتَ أَنَّ أَبِي أَهْدَى إِلَى نَبِيِّهِمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِنْتَ ( أَنْصِنَا) وَهِيَ السَّيِّدَةُ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
وَقَالَتْ مَارْيَا أَنَّ وَالِدَهَا قَدْ بَعَثَ بِهَا لِتَكْشِفَ حَقِيقَةَ هَذَا الدِّينِ وَحَقِيقَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلْنَعْلَمَ أَنَّ عَالِمَ السِّيَاسَةِ لَيْسَ فِيهِ مُجَامَلَاتٌ وَالْمُقَوْقَسُ سِيَاسِيٌّ مُحَنَّكٌ .
فَبَعَثْتُ تَقُولُ لَهُ أَنَّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمْ مَنْ سَيَقُودُونَ الْعَالِمَ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَأَنَّ نَبِيَّهُمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَطْهَرُ مِنْ السَّحَابِ ، دِينُهُمْ يَرْدَعُهُمْ وَيَتَصَرَّفُونَ وَفْقَ حُدُودِهِ ، اذَا سَلَوَ سَيْفًا سَلَوهُ بِقَانُونٍ وَاذَا اغْمِدُوهُ اغْمِدُوهُ بِقَانُونِ ، اصْحَابِ نَبِيِّهِمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اعْفُ عَنْ النِّسَاءِ مِنْ آبَائِهِنَّ ، كَأَنَّ ضَمِيرَهُمْ (الِايْمَانُ ) كَالسَّيْفِ يَضْرِبُ قَلْبَ مَنْ ارَادَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ فَلَا يَعْصُونَ .
وَاضَافَ الْمُقَوْقَسُ أَنَّ هَذَا الدِّينَ سَوْفَ يُنِيرُ الْعَالِمَ فَلَمْ يَمْضِ كَثِيرٌ حَتَّى تَخْضَعَ الدُّنْيَا لِهَذَا الدِّينِ ، وَقَالَ الْمُقَوْقِسُ أَنَّ هَذَا الدِّينَ كَالْعِصَارَةِ الْحَيَّةِ فِي الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ عَلَى عَكْسِ مُجْتَمَعِنَا الرُّومَانِيِّ كَالْحَاءِ عَلَى الشَّجَرَةِ الْجَرْدَاءِ ، شَتَّانِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ
اذَا هَذَا الْحَدِيثُ بَيْنَ الْفَتَاتَيْنِ يَكْشِفُ كَذِبَ الرُّومَانِ وَمَا لَفَّقُوهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَهَذَا هُوَ حَالُهُمْ الْيَوْمَ ، كَمَا أَنَّ الْمُقَوْقَسَ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ هَذَا الدَّيْنِ لَكِنَّهُ كَابَرَ أَنْ يَعْتَنِقَهُ فَقَدْ ارْسَلْ جَاسُوسًا يَسْتَطْلِعُ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ لَهُ أَنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْتَرِشُونَ الْأَرْضَ وَيَلْتَحِفُونَ السَّمَاءَ .
إِذَا لَا طَمَعَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا .
فَاسْتَرَاحَتِ الْفَتَاتَانِ وَقَالَتْ مَارِيَا لَا ضَيْرَ عَلَيْنَا اذَا فَتَحُوا مِصْرَ ، وَقَالَتْ أَرْمَانُوسَةُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَيْسُوا كَالْعُلُوجِ مِنْ الرُّومَانِ الَّذِينَ لَا يُهِمُّهُمْ سِوَى مَتَاعِ الدُّنْيَا مِنْ حِلٍّ وَحَرَامٍ ، فَهُمْ قُسَاةُ الْقَلْبِ كَالْبَهَاءِمِ ، أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَهُمْ الْمُتَعَفِّفُونَ الرُّحَمَاءُ.
وَتَتَعَجَّبُ مَارِيَةُ وَقَدْ دَرَسَتِ ادْبَ يُونَانَ وَفَلْسَفَتُهَا كَيْفَ مَاتَ سُقْرَاطُ وَافْلَاطُونَ وَارْسُطُوا وَقَدْ خَرَجُوا لِلنَّاسِ عَامَّةً وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَأْدَبُوا جَمَاعَةً تَامَّةَ الِانْسَانِيَّةَ ؛عَلَى عَكْسِ نَبِيِّ الْإِسْلَامِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُخْرِجَ الْامَةَ الَى الرُّقِيِّ وَهُوَ أُمِّيٌّ .
فَقَالَتِ ارْمَانُوسَةُ وَقَدْ ظَرَسَتُ تَارِيخَ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ نَبِيَّهُمْ خَذَلَهُ قَوْمَمَهُ كَمَا خَذَلَ الْمَسِيحُ ، أَجْمَعَ قَوْمَهُ عَلَى خِلَافِهِ وَهَذَا حَدَثَ مَعَ الْمَسِيحِ ايْضًا ، هَدَفُهُمَا وَاحِدٌ ، وَقَالَتْ يَخْتَلِفُ هَذَا النَّبِيُّ عَنْ الْمَسِيحِ فِي اشْيَاءَ مِنْهَا انْ الْمَسِيحِ جَاءَ بِعِبَادَةِ الْقَلْبِ بَيْنَمَا نَبِيُّهُمْ جَاءَ بِثَلَاثِ عِبَادَاتٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضٌ وَاحِدَةٌ لِلَاعِضَاءِ وَالثَّانِيَةُ لِلْقَلْرِ وَالثَّالِثَةِ لِلنَّفْسِ ، فَعِبَادَةُ الِاعْضَاءِ طَهَارَتُهَا وَلِلْقَلْبِ حُبُّهُ لِلْخَيْرِ وَالثَّالِثَةِ وَاَلَّتِي يَتَوَقَّعُ الْمُقَوْقِسُ انْ يَمْلِكُوا بِهَا الدُّنْيَا عِبَادَةَ النَّفْسِ وَطَهَارَتَهَا وَبَذْلَهَا فِي سَبِيلِ الِانْسَانِيَّةِ ، فَلَنْ تَقْهَرَ أُمَّةُ عَقِيدَتِهَا أَنَّ الْمَوْتَ أَوْسَعُ الْجَانِبَيْنِ وَاسْعَدْهُمَا .
وَاسْتَمَرَّ حِصَارُ بِلْبَيسَ شَهْرٌ ، فَقَالَتْ مَارِيًا لَا يَلِيقُ بِكَ يَا أَرْمَانُوسَةْ بِمَنْ بِمِثْلِ شَرَفِكَ وَعَقْلِكَ أَنْ تَأْخُذَ كَالْأَخْيِذَةِ فَارْسِلْ لَهُ وَاعْلَمِيهِ بِأَنَّكَ رَاجِعَةُ الَى ابْيَكَ.
فَذَهَبَتْ مَارِيَا لِتُخْبِرَهُ بِطَلَبِ أَرْمَانُوسَةَ فَقَالَ لَهَا كَيْفَ ظَنُّكَ بِنَا فَأَجَابَتْ مَارِيًا بِمَهَارَةٍ ظَنَّهَا بِفِعْلِ رَجُلٍ كَرْبَمٍ يَأْمُرُهُ دِينَهُ وَكَرَمَهُ ، فَقَالَ لَهَا ابْلُغِيهَا بِأَنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( اسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا فَإِنَّ لَهُمْ فِيكُمْ صِهْرًا وَذِمَّةً ) صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْلَمِيهَا بِأَنَّنَا لَسْنَا عَلَى غَارَةٍ نُغَيِّرُهَا بَلْ نَنَّا لِأَجْلِ نُفُوسٍ نُغَيِّرُهَا
المصدر كتاب وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي الجزء الأول

إرسال تعليق